الجصاص
614
أحكام القرآن
على الوصية ، إذ غير جائز أن يقول : " أن يأتوا باليمين على وجهها " . وقوله تعالى : ( أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) يدل أيضا على أن الأول شهادة ، لأنه ذكر الشهادة واليمين كل واحدة بحقيقة لفظها . فأما تأويل من تأول قوله : ( أو آخران من غيركم ) : من غير قبيلتكم ، فلا معنى له ، والآية تدل على خلافه ، لأن الخطاب توجه إليهم بلفظ الإيمان من غير ذكر للقبيلة في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) ثم قال : ( أو آخران من غيركم ) يعني من غير المؤمنين ، ولم يجر للقبيلة ذكر حتى ترجع إليه الكناية ، ومعلوم أن الكناية إنما ترجع إما إلى مظهر مذكور في الخطاب أو معلوم بدلالة الحال ، فما لم تكن هنا دلالة على الحال ترجع الكناية إليها يثبت أنها راجعة إلى من تقدم ذكره في الخطاب من المؤمنين وصح أن المراد من غير المؤمنين ، فاقتضت الآية جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر . وقد روي في تأويل الآية عن عبد الله بن مسعود وأبي موسى وشريح وعكرمة وقتادة وجوه مختلفة ، وأشبهها بمعنى الآية ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا الحسن بن علي ، قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا ابن أبي زائدة عن محمد بن أبي القاسم عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال : " خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء ، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم ، فلما قدما بتركته فقدوا جام فضة مخوصا بالذهب ، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم وجد الجام بمكة فقالوا : اشتريناه من تميم وعدي ، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم ، قال : فنزلت فيهم : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) " . فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بديا لأن الورثة اتهموهما بأخذه ، ثم لما ادعيا أنهما اشتريا الجام من الميت استحلف الورثة وجعل القول قولهم في إنه لم يبع وأخذوا الجام . ويشبه أن يكون ما قال أبو موسى في قبول شهادة الذميين على وصية المسلم في السفر وأن ذلك لم يكن منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن ، هو هذه القصة التي في حديث ابن عباس ، وقد روى عكرمة في قصة تميم الداري نحو رواية ابن عباس . واختلف في بقاء حكم جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر ، فقال أبو موسى وشريح : " هي ثابتة " ، وقول ابن عباس ومن قال : " أو آخران من غيركم ) : إنه من غير المسلمين ، يدل على أنهم تأولوا الآية على جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر ، ولا يحفظ عنهم بقاء هذا الحكم أو نسخه . وروي عن زيد بن أسلم